هدى العمر
منحوته صينية تعود إلى عام 482 قبل الميلاد
لعل معرفة الناس قليلة عن الفنون الصينية برغم اقتناء أغلبهم للتحف والخزف الصينى المعروفين بجودتهم المصنوعة من الطينة البيضاء والمطلية بالمزججات ، حتى أتاح في وقت قريب بحوث واتصال المفكرين بالصين لأن يصلوا إلى حقائق كثيرة عن حضارتها وثقافتها وفنونها . كما ثبت أن ثقافة الصين عريقة وقد بدأت منذ العهد الحجري ، وأن الخزف الراقى ظهر خلاله فى منطقة " هونان" ، واسم الصين مشتق من كلمة " تيان هوا" وتعنى ما تحت السماء أو " زهاى" أى ما بين البحار الأربعة ، أو الدولة الوسطى الزاهرة وهى الدولة الأولى وتعود سلالتها إلى إنسان بكين " جونج- هوا- جوو" .
نافجسوتو
قد نعرف عن أغلب الفنون التى ظهرت في هذا الجزء من العالم أن معظمها مبنى على الأساطير ، كما تمضى بنا الأساطير الصينية لتروى أخبار الأزمان السحيقة متوسلة بالخيال الذى لا حد لخصوبته ونلمس انعكاسه على شتى أنواع الفنون الصينية من فنون تشكيلية أو مسرح أو موسيقي أو الكتابة فتعزو على سبيل المثال أحد هذه الأساطير إلى حكيم أسمه " فوشى" الذى علم الناس الكتابة والموسيقى والرسم وعاونته على هذا زوجته التى كانت أيضا حكيمة وغيره من شخصيات أسطورية وأدبية فلسفية كالفيلسوف " كونفوشيوس" أو الذى سبقه " لو- دزه" الذى عاش في غضون القرن الثالث عشر الميلادى وله كتابين أوضح بهما نهج الحياة وقوانين تتعلق بمبادئ القانون والفضيلة كما تتبلور العديد من النظريات الفلسفية بعضها قد يفوق الخيال كتلك التى تشير إلى حجر الفيلسوف كونفوشيوس الذى يحيل المعادن الخسيسة إلى ذهبا وأخرى تأملية أو عقائدية أثرت وتأثرت بها الفنون الصينية ومنها النزعة الفنية المعمارية الكونفوشيوسية وهى التى شيدت مبانى من الخشب في البداية ومن ثم من الآجر" طين اللبن المحروق" أو الحجر ويستوقف النظر فيها تلك السقوف الحدباء .
جوجا كا زي
كما يبدأ تاريخ النحت في الصين منذ أزمان بعيدة ودلت الاكتشافات الحديثة على تماثيل من البرونز تعود إلى ثلاثين قرنا قبل التاريخ الميلادى كما دلت هذه الاكتشافات على براعة الصينيين في نحت أشكال الحيوانات أكثر من الإنسان المعاصر ولعل أبارعهم على الإطلاق الخزافين فأجمل هذه الآثار التى اكتشفت كانت من إنتاج الخزفيين الذين كانوا ومازالوا لهم مكانة مرموقة في تاريخ الفنون الصينية منذ عهد أسرة هان "206-220 ق.م."
تحفة لوسيلة إضاءة يعود تاريخها إلى 172 قبل الميلاد
كما يعد التصوير " اللوحة الفنية" أسمى أنواع الفنون فلفنان الصينى هو أقرب الناس في نظرة العامة منهم إلى روح الحكمة وطبيعة التجريد فهو هذا الإنسان الذى تعد عينه هى الروح التى يرى بها العالم، فيكشف عن جوهره ويتصل عن طريقها بمعناه الروحى . وهو الذى يسعى إلى التعبير الشبه تجريدى عن جوهر الإنسان وفكره ومشاعره والطبيعة في الحياة باللون المنسجم والخط المتفجر والأشكال التى تدفق بالحياة كما أن للون دلالة فى الرسومات الصينية فالأزرق يرمز إلى الفردوس الأعلى، والأخضر هو لون الأرض، والأبيض لون القمر ، والأحمر هو رمز الشمس. والقارئ لتاريخ الصين يجد مدى عظمة وحرص حكامه من الإمبراطورين على الفنون وعلى رأسهم الإمبراطور " هوى – ذرادانج" الذى كان هو نفسه فنانا وحكمه ارتبط بأول متحف للفنون بالصين كما كان يمنح فنانين بلده أكثر العطف والتقدير كما إن من الآثار التى تعتز بها الصين ملف لهذا الإمبراطور بمتحف " بوسطن" يعرض عملية إعداد الحرير وهى الخامة التى تجهز للرسم عليها بالأسلوب الصينى.
ونج سيمن
وتتبع الفنون الصينية مدرستان أساسيتان مدرسة في الشمال يبرز فنانيها موضوعات اجتماعية تتعلق مواضيعها بالنزعة الأخلاقية الجليلة أما الثانية كانت في الجنوب وتتسم بالشاعرية ولا تعترف بالواقعية ومن أبرز فنانيها الشاعر والرسام والموسيقي " وانج واى" وهو من الرسامين المعروفين بالصين واشتهر برسم لوحات وضع بجانبها أشعاره، كما أيضا يعد الفنان " وو- دو-دزه " من عظماء الفنانين القدامى والذى يعتبره الصينيون انه الفنان الخالد. والفنان الصينى عندما تشاهده يرسم تجد يده تتراقص بالقلم برفق ومودة في صبر وأناة ليبنى بذلك صور جميلة تتحول في عين المتلقى إلى قطعة موسيقية بأشكالها التعبيرية الخالية من التكوين المادي . يعد الفنان الصينى مخادعا في تكوين الصورة وينأى في تمثيل الأشياء بالتظليل لأن في نظره الأسس الأكاديمية الصارمة تحد من طلاقة التعبير الذى هو عرض روحى للانفعالات ، واللوحة الصينية لا تجد إن العلم بهذه الأسس أحد وظائفها بل الانغماس بالوجدان الذى يتشكل في روح الفنان وتأملاته هو التعبير الأجمل والأقوى وصولا إلى المتلقي. واللوحات الصينية تحترم وتبرز شتى الكائنات الحية على وجه البسيطة والتى نشاهدها في لوحات اخلى بها الإنسان مكانه للأزهار والطيور التى تكمل سمة جماليات الطبيعة بسحرها وأسرارها.
لوحة يعود تاريخها إلى 210 قبل التاريخ الميلادي
من هنا نستطيع أن نميز اتجاهات الفنون على مدار حقبات تاريخية مختلفة في العمل الفني الصيني الأصيل المستمد من حضارته ومعتقداته المتغيرة على مر السنين. فقد استطاع هذا الفن مهما وصلت الفنون الحديثة من تطور أن يحتفظ بهويته وأن يقدم فنا قد يقلب موازيين النظرة الأكاديمية بثقل خياله ورهافة مشاعره وانجذاب الرؤية نحو تقدير هذا الفن الذي يعد في مضمونه "السهل الممتنع" بما يحتويه من أسرار في خامات فنية بيئية كالحرير والطين الأبيض وتوظيف هذه الخامات البيئية وتطويرها لاستخدامها في أعمال فنية تنتمي إلى ثقافة وحضارة نادرة لها خصائصها وطرازها المتميزة.
تعليقات
إرسال تعليق