تأثير النزعات الفنية الحديثة على الفن العربي
هدى العُمر/جريدة الرياض/ http://www.alriyadh.com/1149153
عبد الجبار اليحيا
أستطاع الفنان التشكيلي على مر العصور أن يجدد ويحدث في أساليبه
وتقنيته مواكبا ما يحدث من تغيرات تناسب وتواكب التطورات الهائلة في المجالات
العلمية التي أضافت الى فكره عمقا وفكرا فلسفيا ترجمه تشكيليا الى أعمال فنية.
فهذا الفنان لم يعد يخضع الى مصطلحات محددة أو مسميات فرضها عليه آخرون فلفن
الحديث يهتم أساسا بما لا يمكن تسميته أو كما عرفه الدكتور المصري "جمال
قطب" بأنه "إيحاءات حسية وتفاعل وجداني مع المنظورات، وإسقاطات عاطفية
تثير المعاني بالتفسيرات الكامنة في الذات، والعوامل النفسية وما تولده من
انفعالات متبادلة بين الفنان ونزعاته اللاشعورية في عالمه الخاص ...كل ذلك لا يمكن
إرجاعه لتعريف محدد كالنسخ المكررة أو المصنوعات المتماثلة."
ومع هذا التعريف نجد أن أنتاج الفنانين المعاصرين في عالمنا العربي
يميلون الى نزعتين مهمتين كان لهما أكبر تأثير على الفنون الحديثة "بداية
القرن العشرين" وهما "التأثيرية" و"التكعيبية"
والتجريدية ولعل الأولى وهي النزعة الفنية التأثيرية وقد تطرقنا لتعريفها في
مقالات سابقة وهي الأكثر تأثيرا على الأعمال الفنية العربية والتي نلمسها في أعمال
الفنان السعودي ضياء عزيز ضياء، والعراقي على نعمة، والمصري عماد رزق ونظيره أحمد
عبد الجواد، والسوري سرور علواني، واللبناني وجيه نحلة، وغيرهم من الفنانين العرب
فلا تكاد تخلو أي دولة عربية من مجموعة من الفنانين والفنانات الذين استقطابهم هذه
النزعة بمغرياتها وألوانها .
عبد العزيز الناجم
وكانت الحركة التكعيبية من أعظم الاتجاهات الفنية الحديثة والتي يعود
تسميتها الى بداية عرض الفنان الفرنسي "جورج براك" سبع لوحات له في
صالون الخريف الفرنسي عام 1908م احتوت لوحاته على مضمون فكري جديد باختزال وتحوير
العناصر الى أشكال أسطوانية ومخروطية وكروية، ومكعبية وبدأ النقاد بوصف أعماله
بأنها ركام من المكعبات وهكذا تكررت كلمة "التكعيب" التي صارت قوة دافعة
للكثير من النزعات الفنية اللاحقة والفضل في نشأتها يرجع الى الفنانين براك
والإسباني" بابلو بيكاسو" وتعد التكعيبية ببساطة التعريف بتلخيص هندسي
للأشكال والأحجام المرئية بإحساس جمالي كما انها مرت بعدد من المرحل في التعديل أو
الإضافة حيث انها في الماضي كانت لها أهداف فلسفية إبداعية قسمها المحللون
التكعيبيون الى ثلاثة مراحل الأولى سميت باسم المرحلة السيزانية نسبة الى الفنان
سيزان وظهرت ما بين عام 1907-1909م والثانية وهي المرحلة التحليلية بمعنى انها
اهتمت بتجزئة العناصر الى مكعبات وظهرت في
عام 1910م.
على نعمة
المرحلة التركيبية هي ردة فعل للتحليلية وعودة الى واقع الأشياء
وانتشرت بين عام 1910-1914م
ظلت هذه الحركة متداولة بين الفنانين بدون جديد أو إضافة الى أن
استحدثها براك ورائعة بابلو بيكاسو في لوحته الشهيرة " غانيات أفنيون"
فأصبحت التكعيبية تقود الفن إلى البحث في الجذور وتبسيط الأشكال الى عناصر هندسية
يسهل على المتذوق فهمها .ومن هنا نجد العديد من الفنانين العرب الذين جذبهم
الاتجاه التكعيبي ومن فنانين الوطن الفنان الراحل "محمد سيام " ومن
المعاصرين "أطال الله أعمارهم" الفنان محمد بوقس " ومحمد
الرباط" كما كانت هناك معارض جماعية
وجدنا من خلالها بعض من فنانين الوطن الذين جذبهم الاتجاه التكعيبي كتحديث في
أساليبهم الفنية كالفنان عبد الله حماس والفنان فهد خليف والفنان نصير السمارة وغيرهم.
محمد بوقس
وإذا ما تطرقنا أخيرا الى الاتجاهات التجريدية فهي عديدة في وطننا
العربي ومنها التجريدية السريالية والتكعيبية والتعبيرية والرقمية والهندسية
والأخيرة نلمسها في أعمال الفنان السعودي الراحل " عبد الجبار اليحيا والفنان
عبد الله الشيخ كما نجد غالبا من اتجهوا بكثرة الى التجريدية التعبيرية أمثال
الفنانين السعوديين طه صبان وأحمد فلمبان ويوسف جاها وغيرهم عديدين محليا.
فإذا كانت التجريدية هي الاتجاه الذي يهدف الى الانسلاخ من الإدراك
الحسي المباشر إلا أنها تعد من الأساليب الفنية التي تطلب إدراك جمالي ووعي معرفي
بمختلف الأساليب الفنية فعندما ندرك منشأ الشيء وأصوله وجذوره والمؤثرات التي
تحكمت في تشكيله نصبح قادرين على فهمه ووضعه بفكر جمالي وإعادة صياغته وتطويره
فالعمل التجريدي لا يختلف كثيرا عن الأساليب الفنية الأخرى فهو يحتوي على قصد
ومعني يرمى إليه الفنان.
ونخلص من ذلك أن الفن التشكيلي العربي الحديث مر بمرحلتين الأولى هي
معاصرة الفن الأوربي باتجاهاته وتقلباته عبر الحقبات التاريخية المختلفة التي ظهرت
في القرن التاسع عشر والمرحلة الثانية كانت مرحلة الحداثة التي ظهرت في أوروبا في
القرن العشرين ويمكن أن تُؤرخ بداية المرحلة الحداثيَّة
في الفن التشكيلي العربي مع ظهور النزعات السريالية، وما جاء بعدها من نزعات تجريدية
كما يجب القول إن التجارب المعاصرة كانت متشابهة بين فناني الدول العربية
الى أن بعض الدول حرصت على إقامة (بيناليات) وهي معارض تقام كل سنتين يشارك بها
جميع الدول وقد استفاد الفنان العربي بتوسيع مداركه من خلال اللقاءات والحوارات
التي تقام على هامش هذه المعارض التي وطدت معارفه بالتعارف العميق على الاتجاهات
والأساليب والتقديرات الأخرى التي تؤخذ في الاعتبار كتفاوت الثقافات واختلاف عادات
وتقاليد وبيئة المجتمعات وحرص الفنان
العربي على أن لا يصبح نسخة مكررة من الحداثية التشكيلية الأوروبية وأن يهدف الى
تكوين فن تشكيلي عربي أصيل بمعايير قيمة تنقذ الحداثة الفنية من العدمية.



تعليقات
إرسال تعليق