روائع الفن الكلاسيكي الياباني الجمعة 14 ذو القعدة 1434 هـ - 20 سبتمبر 2013م - العدد 16524 جريدة الرياض
هـدى العمـــر
لوحة البحيرة للفنان كورودا سيكى1897
لعل بمجرد النظر الى لوحة فنية لا تحمل توقيع الفنان لا نستطيع أن نتعرف على مصدرها أو جنسية مبدعها ،وهنا نتحدث عن الأعمال الفنية المعروضة فى معارض عالمية تتقارب بها التقنيات والأفكار للفنانين المشاركين ،ولكننا نستطيع بسهولة التعرف على هوية الفن الياباني الكلاسيكي بدون أن يحمل توقيعا ، هذا الفن الذى أستطاع أن يحافظ على طابعه المميز برغم هجمة الأساليب الحديثة ولكن اليابانيون تعاملوا مع التطورات والمتغيرات المعاصرة بمفاهيمهم الخاصة من حيث التقدم الذى حققوه فى الإبقاء على تراثهم وتقاليدهم وأصالتهم بشكل يدعو إلى التقدير والإعجاب.
رغم تأثر اليابان بالثقافة الصينية من أدب وعلوم وفلسفة لكبار المفكرين الصينيين واقتباس اليابانيون حروف الهجاء الصينية واستخدامها فى اللغة اليابانية الى أن الفنان اليابانى أستطاع ان يحول سمات الحضارة الأجنبية الى ثقافة يابانية أصيلة فقد شهدت اليابان عصور تاريخية قسمها المؤرخون من "العصور السحيقة" وتشمل فترة ما قبل الميلاد الى القرن السابع الميلادى ، و"العصر القديم" من السابع الميلادى الى القرن الثانى عشر ، و"العصور الوسطى" من الثانى عشر إلى أواخر القرن السادس عشر ، و"الماضى القريب" أواخر القرن السادس عشر إلى عام1868م ، ومنذ هذا العام الى عام 1912م ويسمى "عهد مييجى" الذى بدأت به الإمبراطورية اليابانية بإقامة دولة صناعية حديثة حتى وقتنا الحالى تحت مظلة الإمبراطور "تايشو" .بعد وفاة مييجى . ونحن نستعرض هذه الفترات التاريخية بإيجاز لما لها من تأثير على الفنون ففى القرن الثانى عشر أنتشر عند اليابانيين صناعة حواجز"البارفانات" بغرض صد تيارات الهواء وحجب الرؤية عن المارة ومع التطور المعمارى بدأ الرسامون ينقشون عليها لوحاتهم حتى أصبحت هذه الحواجز جزء من النفائس والتحف الفنية ،ونخص منها مجموعة فنية تصور الحرب التى دارت بين عشيرتين هما جنجي وهيكل، ومن روائع الأدب اليابانى قصة "الأخوين سوجا" للكاتب تشيكانوبو توبوهارا (1838-1912) وهى قصة تعتمد على حوادث حقيقية حدثت باليابان عام 1193م وتتعلق بموضوع ثأر الأخوين لأبيهما الذى لقى مصرعه أثناء حفلة صيد عند جبل "فوجى" الذى يعتبر رمزا لليابان ولأن الناس أحبو هذه القصة لما تمثله من إنسانية وما تحويه من أحداث تتعلق بالأخوين سوجا كانت تحيط بهم من أماكن ومعالم صارت أثرية مما ألهم الفنانين اليابانيون برسم العديد من اللوحات الرائعة تمثل هذه الواقعة التاريخية الإنسانية .
كما أن العديد من اللوحات اليابانية التي تصور الصقور نسبة الى أن المحاربون اليابانيون القدامى من طبقة: الساموراي" ويذكر أن الساموراي أو بوشي، هو اللقب الذي يطلق على المحاربين القدماء في اليابان، وتعني كلمة ساموراي (الذي يضع نفسه في الخدمة) وكان أول ظهور لهذه الكلمة في كوكين وكاشو (905- 914) أول مجموعة أشعار يابانية.. يتخذون الصقر رمز لهم ويطلقون عليه" تاكانو زو" وكذا اللوحات التي تمثل أشجار الصنوبر المغطاة بالجليد وتدعي (يو كيماتسو زو) فتعد هذه اللوحات مثالا لإحساس اليابانيين بالجمال هذا الإحساس الذي دفعهم الى وضع هذه اللوحات فى منازلهم للاستمتاع بها.
جبل فوجى للفنان هيرشجو 1858م
كما تلعب اللوحات الفنية التى تمثل الأساطير دور هام فى تاريخ الفن الياباني ونخص منها عهد الإمبراطور جيمو "جيمو تينو زو" وهو أحد الأبطال الذين برزوا فى القرن الحادى عشر الميلادي وكذا القائد "يوشيتسونى" الذي ظهر في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي ويعد من المحاربين الأبطال. ومن أبرز الأساطير التى كانت إلهاما للعديد من الفنانين هى قصة القائد "كوجيما تاكانورى" وهو أحد المحاربين الإقليميين الذين أيدوا الإمبراطور للإطاحة بعشيرة جنجي التى استولت على السلطة وحكمت البلاد متخذه "كاماكورا "وهى مدينة باليابان قريبة من طوكيو عاصمة لها وأظهر تاكانورى تعاونه للإمبراطور واتخذ الفنانين شخصيته فى هذا العصر والذى سمى "عصر كاماكورا" فى عدة مواضيع أسطورية تمثلت في لوحات عدة. كما يعتبر القائدان "تاكيدا شنغين " و "أويسوجى كنشين" مثالين لطبقة "الساموراي " الشجعان الذين تميزوا بشجاعة إبان الحرب الأهلية اليابانية خلال القرن السادس عشر وكتبت عنهما العديد من الأساطير ويعدا من الشخصيات التى يحرص الشعب الياباني على اقتناء لوحات تمثلهما. كما ان من أشهر الرسامين اليابانيين الفنان "سيشو" الذي يقابله الشعب الياباني بالفنان "ليوناردو دافنشى" إذ كلهما يتشابه فى تمثيل النزعة نحو العواطف البشرية. كما أن يرجع الفضل فى ازدهار الرسم الى المعهد الفني بمدينة "كيوتو" الذي أنشأه الفنان كانوموسا نوبو" فى القرن الخامس عشر هو وأبنه "كاتو موتو نوبو" الذي أشتهر هذا الأخير برسم طائر "الكركى " وعرف عنه انه كان يدرس الطائر وشوهد ليلا وهو يحاول أن يقلد الكركى فى مشيته.
وتعد طباعة الأقمشة وتطريزها وأشغال المعادن من الفنون التطبيقية المزدهرة فى اليابان ونخص منها الرقع الزخرفية المعروفة باسم" كاكيمونو" و "ماكيمونو" كما بلغ الخزف اليابانى ومنه النوع الأبيض الشفاف من "البورسلين "حدا لا يوصف به من الرقى منذ القرن الثالث عشر حتى وقتنا الحالي. كما تميز الفن الياباني بالألوان المشرقة الجميلة وفنون الحفر بأنواعه الذي تأثر بها الفنانين الفرنسيين الانطباعيين بل أن الفن الحديث كان يتخذها دعامة أساسية للتحديث.
عند استعرضنا لهذه النبذة المختصرة عن الفن اليابانى يجب ان لا يتطرق الى أذهاننا ان الفن الياباني اقتصر على أسلوبه الكلاسيكى الذي عرف به أو ان لم يكن له إسهامات فى التقنيات المعاصرة ولكن هذا الفن الأصيل قد تعامل مع التحديث وتفوق فيه مع الاحتفاظ فى الوقت ذاته بطابعة التراثي الذي يعده جزء يميزه بين شعوب العالم. فالفنون البصرية مهما تعددت أساليبها وشطحاتها لا تزال غالبيتها تمثل حياة شعب له تراثه وشخصيته وتسبر أغوار ماضيه وتمثل حاضره.
تعليقات
إرسال تعليق