دينيه وفنون الشرق
https://www.alriyadh.com/1060130
مقالي بجريدةالرياض

الرؤية العقلية قبل أن تصاغ الى أعمال أو أشكال فنية على مستوي الإدراك العام وكما يقال : إن الإنسان لا يستطيع أن "يعقل" ما لا " يفهم" فنجد أن هناك مرحلة لتحليل وتفسير ودراسة و استيعاب وتذوق يفلسفها الفنان برؤية فكرية قبل أن يحيلها الى طاقة متطورة ذات أبعاد إبداعية والهدف الذى نرمي إليه بهذه المقدمة هو رفع الستار لنلقي بصائرنا علي قصة فنان مستشرق فرنسي عالمي وهو الفنان ألفونس إتيان دينيه " Alphonse- Etienne Dinet 1861-1929" هذا الفنان الذي ولد في مدينة باريس في حضن عائلة برجوازية فأبية كان قاضيا
مرموقا وجده مهندسا معروفا وأخته كاتبة مشهورة عرفت بكتابتها عن سيرته الذاتية وأمه أبنة محامي مشهور لم يتبع ألفونس خطوات أبيه بل عشق الفن فدرسه وعرض بنجاح أعماله في أكاديمية الفنون الجميلة بباريس الذى مهدت له الطريق بمنحة منحة دراسية فنية للجزائر عام 1884م . تعرف إتيان على صديق عمره ودربه فيما بعد الجزائري سليمان بن إبراهيم الذي رافقه في معظم رحلاته للصحراء فكان يرسم من الطبيعة التي فتن وانبهر بمناخها وجمالها حيث جذبته مرائي الجمال في واحة " بو سعادة " فاتخذها موطن إقامة له عام 1904م وسرعان ما تأثر إتيان بأهل الواحة حيث خالط أهلها وتعرف على عاداتهم وتقاليدهم وانبهر بالطابع العربي المتأصل بهم الذي صوره إتيان في لوحات تعد من روائع الفنون التي تعرض في شتى المتاحف العالمية الى يومنا هذا الجمال العربي الفطري الذي أثر إحساس إتيان
يقول عنه صاحبه محمد رستم: “في تلك الواحة السعيدة الهادئة الجميلة ينتقل إليه ـ أي منزله ـ فيسكنه نصف العام كاملا، يرتاح للعرب وجيرتهم ويروح عن نفسه بينهم وينعم بما في حياتهم من جلال تلك المناقب المأثورة عنهم، وتلك المكارم المعروفة بهم، والتي لا يميل إليها إلا ّ عشاق الخيال السامي ولا ينشدها إلاّ أهل الفضائل العالية".

درس دينية الإسلام وبعد تأمله لدين الله الحنيف اعتنق الإسلام عام 1913م حيث غير اسمه الي " ناصر الدين دينيه" ولم يكن دينيه مسلما سطحيا، بل تجذّر فيه الإسلام عن يقين ودراية، ففي قول له في أحد كتب التاريخ يقول: " إنه لم يسلم لمطمع أو مغنم، وإنما أسلم إرضاء ليقينه وضميره، وأنه ناقش النّاصرين والطّاعنين، خرج من دينيه. إلى ناصر الدين"، ونقل أحمد توفيق مدني في مقال له نشره في مجلة الفتح (العدد 189) عن أحمد عبد السلام بالفريج أنه سأله عن إسلامه؟ فقال: " عرفت الإسلام من زمان بعيد، فأحسست بانجذاب نحوه وميل إليه، فدرسته من كتاب الله، فوجدته هداية لعموم البشر، ووجدت فيه ما يكفل خير الإنسان روحيا وماديا، فاعتقدت أنه أقوم الأديان عبادة لله، واتخذته دينا، وأعلنت ذلك رسميا على رؤوس الملأ".
ترك لنا ناصر الدين عدة لوحات تحكى عن عادات وتقاليد وانجازات العرب كما انه ترك عدد من المؤلفات التي لم يعلم عنها الا فئة الطبقة المثقفة من الناس فبجانب أن المستشرق الفرنسي ألفونس إتيان دينيه المعروف بيننا ب " ناصر الدين دينيه " رسّام وفنان عالمي كبير، اشتهر بلوحاته الفنية السّاحرة التي خلّدت أهم أعماله الرائعة فهو أيضا مفكر وأديب، ومؤرخ ناقد، كرّس معظم كتاباته للتعريف بالإسلام.
هذه الشخصية العلمية تألّقت في عالم الرّسم، فأهلت لأن تكون ضمن الشخصيات التي ضمت إلى معجم (لاروس) ومعلمة (هاشيت) للفنون الجميلة وللتعريف بها "هي رابع أكبر دور نشر بالولايات المتحدة الأمريكية". تعرض أعماله في أفخم قاعات العرض العالمية، كما برز في المجال الأدبي والفكري، فأقرّت بفضله الكثير من الهيئات العلمية والأدبية.
وجدنا أنه من المهم أن تضمن مناهجنا الدراسية في مجال الفنون التشكيلية سيرة ودراسة وافية عن حياة وانجازات هذا الفنان العالمي الذي لم يشتهر إلا كما أسلفنا عند طبقة محدودة من المثقفين والمؤرخين من الفنانين العرب رغم عبقرية إبداعاته الفكرية والفنية وأنه حان الوقت للمؤرخين في مجال الفنون التشكيلية والفنانين العرب بإعادة النظر لكتابة تاريخ فني لا يقتصر فقط على وجهات نظر فنية مفروضة علينا وسقطت بقصد أو بدون قصد من ذكرها في كتب التاريخ.




تعليقات
إرسال تعليق