التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام ثقافة بصرية عالمية

الإسلام ثقافة بصرية عالمية

 بقلم هدى العمر


نصر الدين دينيه

منذ أن بدأ الفنان الأول برسم ما تراه عينه وما يحيط به في عالمه على جدران كهفه وعلى مر العصور وهذا الفنان في رحلة دائمة بحثا عن الجمال، فهو يبحث عن الأشياء، عن الأحداث، عن رسومات تحكى حكاية الإنسان هذا الإنسان الذي يتألم ويحب ويفرح ويتعذب ويظل يرحل هذا الفنان من مكان الى مكان ليسمو بوجدانه، بروحه ويترك لنا أثارا خالدة تشهد على الفنان الذي عاش زمانا وحاضرا يجوب البلدان وينثر لوحات تضئ بوهجها المعرفة فينشر الجمال في أرجاء الكون الواسع الذي بدأت أولى مبادئه بتأمل الطبيعة وجميع ما يوجد من مخلوقات الله عز وجل في هذا الكون الواسع المهيب الذي يكتنفه غموض أزلي سرمدي وكلما تعمق هذا الفنان ورسم حركة الرياح وسكون الصحراء وشموخ السماء وهيبة البحر ومهابة الأمواج وتألق النباتات ورحلات الطيور وجدها جميعها منبعا ثريا للتقرب الى الله عز وجل .

يوهان غوته

من هنا وجد هذا الفنان أولى خطوات تحقيق الحلم والأمل ورؤية سكنت خياله لمزيد من المعرفة فأخذ يقرأ كلمات الله ويتعرف على معاني سور القرآن الكريم لتوحي له بعظمة الخالق واسرار الكون فاستمد من كلماته سبحانه وتعالى العلاقة بين الفن الإسلامي والطبيعة علاقة انسجام وتوحد، فالطبيعة المتميزة الرائعة وحي لابتكار وإبداع أروع لوحات المعاني الإنسانية. فنجد من فنانين العالم الغربي والأمريكي ممن تعمقوا في دراسة الفنون الإسلامية كالفنان الفرنسي “ألفونسو دينيه" الذي أشهر إسلامه وعرف باسم “نصر الدين دينيه" والذي سبق لنا الكتابة عنه في مقالات سابقة وقد اعتنق الإسلام كما أنه أعتبر أن الفن التجريدي المعاصر كان له سابقون منذ قرون، وهؤلاء هم أساتذة الفن الإسلامي وهم الأساتذة الفعليين للفن التجريدي الذين أبرزوا عناصر جميلة في الخطوط العربية والأشكال الهندسية وفن العمارة. كما نجد الفنانة البريطانية "عائشة جامت" التي تعمقت ودرست الخطوط العربية وانتجت أعمال فنية لسور من القرآن الكريم بخطوط غاية في الدقة والروعة، كما نجد كذلك أستاذ وفنان الزخرفة الخزفية الإسلامية البريطاني المسلم "إيرك بروج" الذي استوحي أعماله من عمارة المساجد، وكذلك نظريته البريطانية لبنى تشود هاري " Lubna Chowdhary “، والفنانة لطيفة سبيكر " Lateefa Spiker " التي قضت طفولتها بالولايات المتحدة وتنقلت بين بلدان عديدة مثل القاهرة والأندلس بعد دراستها واهتمامها بالفنون الإسلامية وعادت لوطنها بالعاصمة البريطانية "لندن" عام 2006 م لتنتج لوحات مع مجموعة من الفنانين البريطانيين تنثر وتضيف رؤية تشكيلية معاصرة مستمدة من الفنون الإسلامية .

نادية جانوشا

ومن الولايات المتحدة الأمريكية: الفنانة أميرة رحيم التي نجد لوحاتها مستوحاة من البيئة العربية وإبراز المرأة المسلمة بزيها الإسلامي المتميز، وكذلك الفنانة والمعلمة الأمريكية من ولاية واشنطن دي سي نادية جانوشا " Nadia Janjua" التي وجدت من خلال خبرات ورحلة حياتها التي أخذت تتلاطم بها الأحداث لتجد المرفأ والراحة والاستقرار في الإيمان بالله عز وجل والدين الإسلامي الحنيف ونادية تعكس بأعمالها الفنية التجربة الإنسانية التي كانت تغلفها الفوضى واليأس لتفضى لنا بروعة الإيمان وسر نجاح أعمالها الإبداعية بعد بحث وبصيرة وفهم الدين الإسلامي الحنيف الذي أدى الى مصدر لا نهائي من الإلهام الوادع الساكن الروحاني .

قد تطول القائمة بذكر أسماء فنانين عرب وغير عرب اعتنقوا الإسلام وغيرهم من فلاسفة ومفكرين غربيين كالفيلسوف والشاعر والأديب الألماني " يوهان فولفغانغ فون غوته 1749-1832م" الذي تعمق وأعجب بمسيرة الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" والذي كانت من أقواله المعروفة: " كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي".


أميرة رحيم
ونتابع البحث فتأخذنا النتائج الى شعراء وفلاسفة وأدباء ونخص منهم الفنانين التشكيليين الذين كلما تعمقوا في معاني القرآن الكريم وجدوا تفسير علمي ومنطقي وشاعري مهيب تمازجت به الأرواح وتآلفت. كلمات من نور نسجت لوحات أبداعها الخالق عز وجل لتروي ظمأ إلهام الفنان فتبحر أدواته وتسري تأملاته في مجري الإيمان لتأخذه الى موانئ يغلفها نور القمر وضياء الشمس ولقاء 
 
أيرك بروك
 
الجبال بصلابتها مع خط الأفق على سطح الأرض جبال تنثر ظلالها الكثيفة على كثبان الرمال أو على الماء الوادع الساكن وكأنهما في حوار أبدي ونخيل سامقة نري السماء تتخلل ثنايا أفرعها بلونها المتغير بتغير أوقات النهار والليل فتنثر ظلالها الخضراء على ضوء الشمس والقاتمة على ضوء القمر  كما في قول الله تعالي من آياته البينات في سورة الفرقان{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } فكم من آيات الله تعالي أهتدي هؤلاء الفنانين الى نعمة الإسلام واستمدوا وتزودوا من خلالها بالجمال والحق والمعرفة ؟ الأدلة كثيرة نحمد الله عز وجل على نعمة الإسلام الذي أمدنا بهذا الجمال الملهم لنترجمه باللون والروح الى لوحات فنية.


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأثير النزعات الفنية الحديثة على الفن العربي

تأثير النزعات الفنية الحديثة على الفن العربي  هدى العُمر/جريدة الرياض/ http://www.alriyadh.com/1149153   عبد الجبار اليحيا أستطاع الفنان التشكيلي على مر العصور أن يجدد ويحدث في أساليبه وتقنيته مواكبا ما يحدث من تغيرات تناسب وتواكب التطورات الهائلة في المجالات العلمية التي أضافت الى فكره عمقا وفكرا فلسفيا ترجمه تشكيليا الى أعمال فنية. فهذا الفنان لم يعد يخضع الى مصطلحات محددة أو مسميات فرضها عليه آخرون فلفن الحديث يهتم أساسا بما لا يمكن تسميته أو كما عرفه الدكتور المصري "جمال قطب" بأنه "إيحاءات حسية وتفاعل وجداني مع المنظورات، وإسقاطات عاطفية تثير المعاني بالتفسيرات الكامنة في الذات، والعوامل النفسية وما تولده من انفعالات متبادلة بين الفنان ونزعاته اللاشعورية في عالمه الخاص ...كل ذلك لا يمكن إرجاعه لتعريف محدد كالنسخ المكررة أو المصنوعات المتماثلة." ومع هذا التعريف نجد أن أنتاج الفنانين المعاصرين في عالمنا العربي يميلون الى نزعتين مهمتين كان لهما أكبر تأثير على الفنون الحديثة "بداية القرن العشرين" وهما "التأثيرية" و"التكعيبية...