إكتشاف منحوتة مادونا
أعظم سرقة فنية في التاريخ
عند ذكرنا لمواقف عظيمة تجاه الفنون التشكيلية في تاريخ الفنون البصرية على مر العصور، فنحن هنا لا نعيد الماضي ولا نفتخر بما مضي بقدر انه من خلال تحليل الدوافع والملابسات التي صنعت هذه العظمة نستطيع أن نستنتج قيم مميزة تجاه هذا المجال الثقافي الإبداعي وأهميته ودوره في تجسيد عوالم فكرية خالدة تطلعنا على المستجدات الاجتماعية وتطورها. فالنشاط الإبداعي لا يقتصر فقط على إنتاج أعمال فنية بل أن هذه الأعمال كان لها ارتباط وثيق فلسفي انطباعي وأيديولوجي وأخلاقي يعكس الوعي الثقافي ومنجزاته وتطوراته عبر العصور التاريخية لمختلف المجتمعات، بل أن الفن علما وكيانا مركزيا تصب فيه روافد معرفية متشعبة من عدة علوم وثقافات مختلفة كعلم الاستطيقا (Aesthetics) التي لمسناها في أراء أفلاطون وأرسطو وغيرهم قديما، وعلوم النقد وتاريخ الفن وعلم الاجتماع والتحليل النفسي مما يشير الى أهمية هذا الكيان لمختلف المجتمعات.
ومن هنا نجد أن هذا المجال يعد بمثابة وثائق رسمية تدعم وتكشف لنا تاريخ الأصول والجذور، وكان لزاما على المجتمعات أن تحافظ عليها كهوية تثبت مسيرتها التاريخية مما جعلنا نشير في هذا المقال الى حادثة تاريخية فريدة بل الأولى من نوعها في التاريخ ،بأن يتم سرقة أغلب متاحف أوروبا والقاعات التي تعرض أعمال فنية لكبار الفنانين العالميين منها مجسمات نادرة للفنان الإيطالي "مايكل أنجلو" ولوحات للفنانين “رامبرانت" و"سيزان "و"فان جوخ" و"رافائيل "وغيرهم من عمالقة الفنانين بالتاريخ بل جميعهم هذا بالإضافة الى عملات نادرة وآثار متحفيه فنية .
ليوناردو دافنشي
حدثت هذه السرقة العظيمة أثناء الحرب العالمية الثانية من قبل "الفرق النازية" فشكل جيش "الأمم المتحدة " United Nation" فريقا من الحلفاء مكون من حوالي ثلاثمائة وخمس وأربعون شخص من ثلاثة عشر دولة منهم نساء ورجال وخبراء فنيين وخبراء آثار ومؤرخين وجنود أطلقوا على أنفسهم أسم " MFAA “أو المعروفين باسم "Monuments men "، وهو اختصار باللغة العربية لفرقة الحفاظ على الآثار والفنون الجميلة والمخطوطات. وشكل هذا الفريق عام 1943م للبحث عن الأعمال الفنية المسروقة ،وقبل هذا التاريخ ودخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية ،كان هناك توجه من قبل منظمات ومجموعات منها جامعة هارفارد ،ووزارة الدفاع ،والمجلس الأمريكي، لحماية الفن الأوروبي والمعالم الأثرية من خطر الأذى أو النهب النازي .فكان هناك دور لمشاركة الأمريكيين في الحصول على هذه الثروات المسروقة ونخص منهم مدير متحف متروبوليتان للفنون "فرانسيس هنري تايلور الذى شارك مع هذه الفرقة الدولية وغيره عديدين كان هدفهم الإنساني والوطني هو الدافع الأساسي لاسترداد هذه الكنوز الفنية الدفينة ، والتي يصل عددها أكثر من ألف كنز يحتوى على ما يقدر بخمسمائة مليون قطعة فنية ،ومواد ثقافية مسروقة من متاحف وجامعات ومؤسسات دينية ،ومع مكافحات عديدة ومشاهد بطولية بعضهم لقى حتفه من خلالها ولمدة ست سنوات تكثفت الجهود لاسترادا هذه الكنوز الفنية المسروقة.
ساندر بوتشيلي
فعثرت القوات الأمريكية وقوات الحلفاء في أوروبا على مخابئ هذه الكنوز التي لا تقدر بثمن. كانت لعديد من نتاج نهب أدولف هتلر والنازيين. والبعض الآخر تم إجلائهم المشروع من المتاحف لحفظها، ولعبت هذه الفرقة البطولية التي تضمنت بعض من مختصين آثار كان دورهم أرشفة وإزالة التعبئة والتغليف عن جميع هذه الأعمال التي تم استردادها والتي لم يكن استردادها بالأمر الهين فبعض من هذه الكنوز كانت مخبأة في أماكن يصعب اكتشافها مثل قلعة في الرمال، وزنزانة في سان ليوناردو بإيطاليا خزنها النازيون على عجل من أمرهم قبل إخلائهم للأراضي المحتلة. كما عثرت على حوالي ألف وخمسمائة قطعة فنية في ألمانيا وحدها مخبأة في أماكن مختلفة. ولعل الاكتشاف الكبير كان في النمسا في منجم ملح حيث عثر على أكبر مجموعة من لوحات جدارية فنية تعود أسلوبها إلى الفن الفلمنكي في بداية القرن الخامس عشر ولا تقدر بثمن، ولوحات للفنان ليوناردو دافنشي ومجسم نادر لمادونا وطفلها للفنان مايكل أنجلو.
لوحة فقدت للفنان رفائيل سانزيو
الميدالية الذهبية لفرقة الحلفاء من الخلف
الجدير بالذكر أنه في شهر مايو من عام 2014 م قرر أعضاء مجلس الكونجرس الأمريكي تكريم لكل فرد من هؤلاء ابطال فرقة التحالف الدولية للحفاظ على الفن والآثار من خطر الحروب بميدالية من ذهب تحتوي على حفر لأشهر اللوحات الفنية وكتابة في خلفها تضمن ترجمتها للغة العربية عبارة" إنه لشرف لنا أن ننقل للقرون القادمة كنوز العصور الماضية" وحملت العبارة توقيع الرئيس الأمريكي "دوايت أيزنهاور" إذ أن هذا الأخير هو من كان على رأس الحكم وإصدار الموافقة والقرارات حينذاك الحدث. وفي نفس العام "2014" تم إصدار فيلم يدعي رجال فرقة الآثار الحلفاء أو " The monuments men "عن نفس الفرقة بطولة وإخراج الممثل الأمريكي “جورج كلوني" ومات دايمون" وغيرهم من مشاهير الشاشة الذهبية ومن يتابع هذا الفيلم من محبي الفن سيجد متعة لرؤية هذه الأعمال الفنية وتقدير لمشاهد بطولية مقتبسة من واقع الحقيقة لهذه السرقة غير أن الفيلم لم يحتوي على العدد الحقيقي من الذين شاركوا عام 1943م فعليا في هذه البطولة.
ميدالية تكريم فرقة حلفاء الحفاظ على الفنون والآثار
فنحن إذ نستعرض هذا الحدث التاريخي بما يحتويه من مضمون يثبت أهمية الفنون للإنسان فالفن يعكس ثقافة الفنان والمجتمع الذي يعيش فيه، وهو أداة اتصال بيننا وبين جذور حضارات من عصور سابقة نستطيع من خلال معاينتها اكتشاف التنوع والتطور المدهش لتلك الحضارات بدأ من إنسان العصر الحجري إلى يومنا هذا.
فالفنون هي سجلا مستمرا لتراث شعب معين وهي المصدر الثري الذي يسهم في زيادة معارفنا عن العلم والإنسان.
مقال نشر في مجلة الخفجي وجريدة الرياض عدد يناير 2019م






تعليقات
إرسال تعليق