التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصنع من نفسك ناقدا



أصنع من نفسك ناقدا

هدى العُمر / جريدة الرياض/2 يناير 2015/http://www.alriyadh.com/1009388


 
روبرت باسيت


لو سألنا أنفسنا ما هو الرسم؟ يمكن أن تكون الإجابة الرسم هو عبارة عن خطوط وملامس وأدوات نستخدمها على مسطحات ذات بعدين من أجل صنع لوحات فنية ولكن لا تقتصر هذه الإجابة على صنع لوحة فنية فالجميع يستطيع أن يرسم عندما يعلم مفاتيح استخدام الألوان والأدوات ولكن لماذا يكون هناك تميز بين لوحة وأخرى حتى لو كانتا مرسومتان بنفس الأسلوب أو الاتجاه الفني؟ كما لماذا نجد لوحات تصل أسعارها إلى أرقام فلكية ونحن ننظر لها على أنها لوحات عادية؟
بابلو بيكاسو
لكى نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة لابد أن نعي أولا أن هناك فرق كبير بين هاوي للفن وفنان تشكيلي فالأول لا يتقن النسب التشريحية والدائرة اللونية والضوء والظل والنسبة والتناسب والمنظور إلى آخر منظومة الثقافة والممارسة الفنية  بجانب عامل جدا مهم وهو الخيال وترجمته إلى أعمال فنية بحس لوني منسجم في الإيقاع ومهارة في توزيع عناصره وتوازن وجمال التكوين الذى يعد من أحد العناصر لجذب نظر المشاهد للعمل الفني بينما الفنان التشكيلي ملما بجميع هذه الثقافات البصرية وممارسا لها وقد نجد كثيرا من الفنانين والفنانات ونخص منهم الجيل الجديد في حاجة إلى النقد الجاد لتطوير أعمالهم.

 من لوحات روبرت باسيت
 من خلال ممارسة لجان التحكيم المخضرمين لرؤية وتحكيم الأعمال الفنية نجد أن هناك عدد من المشاركين والمشاركات الشباب وقد نقلوا حرفيا بعض من أعمال زملائهم وهؤلاء الزملاء معروفين كرواد وأعمالهم تحمل تواريخ إنتاج لأعمالهم الفنية ربما تتعدى عمر الفنان الشاب المشارك وآخرون قد يلجئون إلى استخدام عنصر الإبهار باستخدام تقنيات وتوليفات بإضافة خامات بعضها معقدة بغرض الهروب من الأسس الفنية الصحيحة .فإذا ما راجعنا تاريخ الفنون على مر العصور سنجد رواده مما استخدموا هذه الوسائط لم يستخدموها من فراغ بل كان هناك هدف قد يكون ملتصقا التصاقا وثيقا بالاكتشافات العلمية أو الابتكارات الأدبية أو الظروف الاجتماعية التى عاصروها ومع هذا قد تدرجوا في الاساليب الفنية المتعددة قبل الوصول الى تقنياتهم المميزة على سبيل المثال لا الحصر الفنان بابلوا بيكاسوا وفان جوخ وغيرهم. 

مارسيل دوشامب
ولقلة أو ندرة النقاد في الساحة التشكيلية نجد الفنانين الشباب في تردد واحتياج للتوجيه لتطوير أعمالهم والحقيقة أن أساس العمل الفني هو الحس ولكى يوظف الفنان هذا الحس مع إلمامه ببعض من الأسس الفنية المذكورة فأنه يستطيع أن يكون ناقدا لنفسه مع الأخذ بالاعتبار لعدة عوامل تساهم في تقدم تجربته الفنية والسبيل للوصول إلى هذه القدرة تنطلق من الاستمتاع بالقيم الجمالية واتحاد الخيال مع عنصر الواقع لأن الخيال هو ما يميز الرؤية الفنية عن غيرها من الرؤى فمهما كان موضوع العمل الفني ونخص منه اللوحة الفنية فأنه إما يتطرق إلى منظر طبيعي أو طبيعة صامته أو تكوينات خيالية الخ
و بتباع منهج يمارسه الفنان عندما يكون في شروع إنتاج لوحة فنية قد يساهم في نقد الفنان لنفسه وتطوير الثقافة البصرية في أعماله يبدأ أولا من منطلق فهم  الفكرة  المراد تحقيقها من خلال عمله الفني ومن ثم يبدأ بتخطيط عدد من الرسومات المبدئية يراعي فيها دراسة القيمة اللونية " تضاد الألوان الغامقة والفاتحة " وأين يتم وضعها مع دراسة للتدريجات اللونية باختيار دائرة لونية منسجمة وعند بداية تلوين العمل يبدأ بالتلوين من اللون الغامق إلى اللون الفاتح ومن عناصر كبيرة إلى عناصر صغيرة ومن ألوان شفافة إلى ألوان سميكة .


بول جوجان
 كل لوحة فنية جيدة تحتوي على مفهوم بصري قوي فغالبا ينشغل الفنان بجمال الموضوع وعناصره ولا يقف مستغرقا ومتأملا لجاذبية العمل الفني كوحدة متكاملة في طرق الأداء والتنفيذ والأصالة والتعبير معا وقد وضع الفنان الأمريكي الأصل الذي له العديد من المؤلفات في مجال الفنون التشكيلية " روبرت بايست " منهج يمكن الاستعانة به لتحقيق مفهوم بصري متوازن للوحة الفنية وهو كالآتي:
صياغة العناصر بأساليب مبتكرة تتمثل في ليونة  اتجاهات الخطوط والمعالجات الشكلية وصياغة الأشكال بشكل جوهري ، إيقاع لوني متناسق وخلاب ، ترابط العناصر وعلاقة بعضها ببعض ،التباين القوي بين الضوء والظل ، تبسيط العناصر على قدر المستطاع والحالة المزاجية التى تغلب على العمل الفني في حالة التعبير عن الحزن أو السعادة ، كما التعبير اللوني عن حالة الجو إذا كان صحوا أو عاصفا أو ما شابه كما إذا كان صباح أو ليل ، وأشكال مضيئة تلتقي مع أشكال معتمة وتدرج الألوان من الغامق إلى الوسط ثم الفاتح ، وضربات فرشاة تنغمس في شحنات الفنان الانفعالية تاركة بصمات مركبة على سطح اللوحة .
بيير أوجست رينوار
كلما تعمق الفنان في تشريح وتحليل الأعمال الفنية التي يشاهدها مع قراءه وافية لعدد من النقد في مجال الفنون التشكيلية كلما أرتقى بأعماله الفنية وتطور فالعملية الإبداعية تطلب جهد ومثابرة لا تعتمد فقط على مهارات تكنيكية أو تمكن من أدوات والفنان الحقيقي هو من يحمل بداخله التحدى وهدف تعبيري يسعي للوصول إليه بتميز ويستطيع تحقيق هذا مع الممارسة المستمرة وصدقه بنقده لذاته.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأثير النزعات الفنية الحديثة على الفن العربي

تأثير النزعات الفنية الحديثة على الفن العربي  هدى العُمر/جريدة الرياض/ http://www.alriyadh.com/1149153   عبد الجبار اليحيا أستطاع الفنان التشكيلي على مر العصور أن يجدد ويحدث في أساليبه وتقنيته مواكبا ما يحدث من تغيرات تناسب وتواكب التطورات الهائلة في المجالات العلمية التي أضافت الى فكره عمقا وفكرا فلسفيا ترجمه تشكيليا الى أعمال فنية. فهذا الفنان لم يعد يخضع الى مصطلحات محددة أو مسميات فرضها عليه آخرون فلفن الحديث يهتم أساسا بما لا يمكن تسميته أو كما عرفه الدكتور المصري "جمال قطب" بأنه "إيحاءات حسية وتفاعل وجداني مع المنظورات، وإسقاطات عاطفية تثير المعاني بالتفسيرات الكامنة في الذات، والعوامل النفسية وما تولده من انفعالات متبادلة بين الفنان ونزعاته اللاشعورية في عالمه الخاص ...كل ذلك لا يمكن إرجاعه لتعريف محدد كالنسخ المكررة أو المصنوعات المتماثلة." ومع هذا التعريف نجد أن أنتاج الفنانين المعاصرين في عالمنا العربي يميلون الى نزعتين مهمتين كان لهما أكبر تأثير على الفنون الحديثة "بداية القرن العشرين" وهما "التأثيرية" و"التكعيبية...