الفنون البصرية "للشعوب الأصلية في الأمريكتين"
هدى العُمر
من خلال البحوث العلمية والاكتشافات الحديثة ونخص منها علم الأنثروبولوجي ودوره الواضح في تحديد تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية على السلوك الإنساني من خلال دراسة أصول الأنسان التاريخية وما تفرزه نشاطاته من أنماط تمس جوانبه الاجتماعية والحضارية وتطور تلك الجوانب عبر الزمان والمكان قد قربنا حديثا لمعرفة عوالم كانت غائبة أو قل ما ذكرت في الكتب أو البحوث العلمية لتضيف لمعلوماتنا الجوانب التشكيلية الجمالية التي جسدتها تلك الحضارات لتلك الشعوب وقد ارتبطت ارتباط وثيق بالفن الذي يمثل التعبير الثقافي لكل عصر من تلك الحضارات .
إدوارد كوكينا
وبالمعنى السالف الذكر نسلط الضوء في هذه السطور على أنواع من الفنون ندر ذكرها في التاريخ
فكلنا يعلم أن قبل اكتشاف الرحالة الإيطالي المشهور "كرستوفر كولومبوس " لأمريكا عام1492م وقبل هجرة مختلف الشعوب الأوربية للقارتين الأمريكيتين كان هناك سكان أصليين نعرفهم بلغتنا العربية بالهنود الحمر أو ما يطلق عليهم حديثا “الهندو أمريكي" هؤلاء السكان الذين عاشوا كقبائل هندية متنوعة نجد كل قبيلة منهم ولديها تاريخ فريد من نوعه يتألف من العديد من أنواع الفنون التي لها صلة عميقة للغاية لدى الفنانين مستمدة من القيم الروحية والطبيعة الأم. فالطبيعة هي العامل الأساسي ومصدر استلهام الفن التعبيري الحر كما انها الوسيلة للحياة للعديد من الهنود الحمر ويمكن ارجاع تاريخ فنون سكان أميركا الأصل الى الاف من السنين مضت مما اكتشف حديثا من رسومات يرجع تاريخها الى لوحة الكهف واللوحة الحجرية والخزف ومع تطور الحياة تطورت أنواع الفنون للرسم والنحت على الصخور واستخدام ريش الطيور في صناعة الأقنعة والملابس وغيرها.
فنجد في كل من قبيلتي "كروا" و " ايروكوا" أن الأقنعة تمثل رمز من الرموز التي ترتبط مع الطبيعة وتشمل الشمس والقمر والدببة والنسور والناس وفي المنطقة الشمالية من غرب الساحل الأمريكي استخدمت هذه الأقنعة التي اتخذت صور زخرفية لحيوانات العائلة مثل الدب والنسر لتمثل شعار القبيلة وهذا ما يفسر ارتداء المشاركين لها في المناسبات الاجتماعية بينما في قبيلة أخري تدعى" فولس فيس"
الأقنعة الخشبية من الساحل الغربي
في الشمال الشرقي تشكلت الأقنعة على شكل رءوس لها جدائل صنعت من شعر الخيول وكانت تصنع الأقنعة من أخشاب الأشجار .كما تميزت قبيلة ايروكوا التي ما زالت تحتفظ بفنونها الى الآن بمشغولات التطريز والتصميمات الهندسية الملونة واستخدام الخرز بألوانه الناصعة . كما اشتهرت قبائل " كاتشينا" بنحت الدمي للأطفال وكذا قبيلة " زوني" التي استخدمت أخشاب شجرة الصنوبر لابتكار دمي بسيطة وغير مزخرفة كما صنعت قبائل "بومو" في كاليفورنيا السلال الدائرية الشكل والمزخرفة سطوحها بالخرز والصدف المتدلي أو بريش الطيور الملون أما قبيلة "هوبى" فتميزت بمنتجاتها من الحلي والفضة بتصميماتها ذات الخطوط المنحنية." مرجع: الفنون والإنسان للدكتور محسن عطيه"
أما قبائل "نافجو" في الجنوب الغربي والمعروفين كأفضل الفنانين من الهنود الحمر فقد اشتهروا بصناعة المنسوجات والسجاد والعديد من الأساليب المختلفة لصناعة السلال الجميلة وتصاميم المجوهرات وخاصة المكونة من الفضة وحجر الفيروز. كما اشتهر الفن الهندي بمنحوتات خشبية تعرف باسم أعمدة "الطوطم " وهي عبارة عن منحوتات خشبية طويلة وتعد من أكثر الأشكال تعقيدا في الفن الهندو أمريكي إذا أن كل قطب منها يمثل أجيال من أفراد الأسرة كما أن بعضها يمثل قصة أسطورية أو خصائص حيوان تتخذه القبيلة رمز لها.
ولم يغب على الفنان الهندي استخدام الألوان بمعنى إشاري يعكس كل لون منها حالة انفعالية فاللون الأسود صنع من الفحم وتم مزجه بدهون حيوانية وتثبيته على الوجه استعدادا للحرب مما يعكس قوة المحارب كما أنه يستخدم كرمز للانتصار ورسومات اليد السوداء تمثل النجاح يدا بيد. أما اللون الأحمر يرمز الى العنف والحرب ولكنه قد يرمز أيضا للسعادة والجمال إذا لون به الوجه وقد استخدمته قبائل ولاية "أيوا" الهندية برسمه بطريقة متعرجة على الوجه ليمثل البرق في سرعة وقوة المحارب كما أن له علاقة بأسطورة هندية تدعي" طائر البرق". واللون الأبيض يرمز للسلام أو السعادة إذا لون به الوجه ويستخرج من الحجر الجيري أو قشر البيض أو الأصداف. اللون الأصفر والبرتقالي " ويستخدم كعجينه لطلاء الوجه والجسم وكان يستخرج من شجرة أنناتو أو " bixa " ومن يرتديه من المحاربين يعني أنه عاش حياة جيدة وعلى استعداد للقتال حتى الموت فهو لون الموت لدى الهنود. واللون الأخضر الذي تم انتاجه من الطحالب والزهور أو التوت فهو يرمز للشفاء وجمال الطبيعة والأزرق المستخرج من معدن اللازورد وبذور زهرة الشمس والتوت فأنه يرمز الى الحكمة والثقة والبنفسجي أو الأرجواني يرمز الى الغموض ويستخرج من العنب البري والكركديه. كما أن قبيلة نافجو تعتبر الألوان الأزرق والأبيض والأصفر والأسود تمثل الأربعة جبال التي كان لها معاني روحية لديهم وكذا قبيلة أباتشي تعتبر الألوان الأخضر والأبيض والأصفر والأسود تمثل أيضا الجبال اما سكان ولاية أيوا فكانت الألوان بالنسبة لها تمثل الاتجاهات الأربعة.
أعمدة الطوطم
المطلع على هذه الحضارة الحاضرة الغائبة والتي ندر ذكرها في المراجع العلمية والكتب يجد أن ذكر اسم الهنود الحمر قد اقترن بالبدائية رغم أن ما استعرضنا يثبت عكس هذا فيكفي أن هذه الشعوب أو القبائل كانت تمتلك من الثقافة والوعي فن صنع حضارة متميزة لها سمات تختلف اختلاف كلي عن أقرانها من الحضارات الأخرى وقد بدأ المهتمين والباحثين بجمع المعلومات والمقتنيات وأقيم مؤخرا بمتحف ماك كلنج للتاريخ الطبيعي والثقافة " Mcclung museum of natural history and culture "الولايات المتحدة الأمريكية معرضا يحتوي على عرض لفن الهنود الحمر أو سكان أمريكا الأصليين مما فتح أفاق جديدة للمهتمين بالمجال الفني والنقدي لدراسة الجوانب الإنسانية الفنية الحضارية لتلك الشعوب.




تعليقات
إرسال تعليق