متعة العمل الفني
جريدة الرياض/ 04 ديسمبر 2015//1106605
بول سيزان طبيعة صامته مع التفاح
الاستمتاع من قبل الرائي
للعمل الفني هو الهدف النهائي الذي يسعد الفنان فعندما يعرض الفنان أعماله ويجد
جمهوره من الحضور قد لمس الحاسة الجمالية والطاقة الإبداعية التي استوقفته ليجول
ببصره داخل إطار العمل الفني فأن هذا التجاوب يشكل تأثيرا عميقا له قيمة معنوية
وعاطفية في نفس الفنان. فأن لدى كل إنسان حاجة عميقة في داخله بالنزوع نحو الجمال
ومشاهدة الإنسان لعمل فني تجعله يعيش لحظات لاكتشاف الجوانب الغير معتادة من
الحياة مما يدعونا الى أن نتساءل هل هناك بواعث من شأنها أن تجعل المتذوق يستمتع بالعمل الفني
استمتاعا جماليا؟ هذا السؤال أجاب عليه علماء الفلاسفة وعلم الجمال وافاضوا في
بحوثهم التي نستخلصها في عنصرين مهمين:
بيتر كلاسيز الجمجة والكتابة
أولهما: هو
"موضوعية العمل الفني " وتتمثل في التشكيل الفني الذي يتناوله الفنان من
تأثيرات خطية وانساجامات لونية والتوازن والنسب والتناسب وغيرها من مقومات بناء
العمل الفني غير أن الفنان الأصيل يجمع ما بين جميع هذه العوامل من خلال مضمونه
الخاص فيكسبها رؤيته الخاصة النابعة من احاسيسه ومشاعره ولنقرب هذا المضمون نجد في لوحات الفنان الهولندي الأصل
بيتر كلاسيز) Pieter Classless 1597-1660)الدقة المتناهية في النسب
والتناسب والإيقاعات اللونية والضوء والظل ورغم ان لوحاته تعد من الأساليب
الأكاديمية الصارمة التي يراعي فيها تطبيق الأسس والقواعد التشريحية الدقيقة إلا
اننا نجد فلسفته الخاصة في لوحة قد يعتقد البعض أنها "طبيعة صامتة"
مرتبة العناصر وهى لوحة "الجمجمة مع الكتابة" وبها عناصر مختلفة من أداة
الكتابة القديمة "الريشة "ومصباح منتهى الصلاحية وأوراق بالية فوقها
جمجمة فقد رغب الفنان بيتر التعبير الغير عادي بمنح هذه العناصر المألوفة سمات
أخري أكسبتها موضوع يعكس جهود الكاتب الدنيوية هي في نهاية المطاف دون جدوى ومن
هذا المنطلق نجد تعاطف الرائي مع موضوع العمل الفني ولا نعنى هنا بموضوع العمل
الذي يتبع القواعد ويميل الى المحاكاة المباشرة بل نجد قيم جمالية في أعمال تتبع
الأساليب الحديثة .
كما على سبيل المثال لا الحصر لوحة الفنان الفرنسي الانطباعي بول سيزان (Paul Cezanne 1839-1906) وتسمي "طبيعة صامته مع
التفاحة" فلم يهتم سيزان بقواعد المنظور ولا التناسب كما أنه لم يضع طلاء على
جزء من القماش الذي لون عليه اللوحة بقدر انه اهتم بعلاقة الأشكال بعضها ببعض
وانسجام الدائرة اللونية القاتمة وكأنه يؤكد على المشاهد أن الحياة مع التفاحة
ليست مجرد تقليد بل هي اكتشاف ورؤية جديدة تختلف عن واقع الطبيعة رغم انها تحاكيها.
روبرت واير الفتاتين
ومن خصائص المتذوقين الذين يميلون الى التعاطف مع الموضوع الجمالي انهم
يبنوا حكمهم على اعتبارات موضوعية فافترضوا أن الجمال موجود إذا ما توفرت قواعد
ندركها عقليا.
ثانيا: "ذاتية المشاهد " ويري فيه المتذوق للعمل مشاعر ذاتية
تتوقف على حالته النفسية هي مشاعر كامنه في النفس تظهر حين نجد في العمل الفني
معني نتجاوب معه ولا يفترض هنا إذا كان هناك شخصان من بيئة واحدة ومدرسة فكرية
واحدة أن تتفق مشاعرهم واحاسيسهم تجاه رؤية نفس اللوحة فقد يختلف حكم الفرد على
اللوحة في لحظة شعورية كامنة داخل احاسيسه ومشاعره أنه سر أسلوب الفنان مجسدا في
عوامل تكسب عمله الفني قيما إنسانية تعبيرية بشكل أعمق كالتي نراها في أعمال
الفنان "رامبرانت" وقدرته على تجسيد الواقع في الروح الإنسانية فبرغم
اعماله التي اهتمت بتصوير الأشخاص بواقعية غير ان المشاهد يستطيع ان يلمس الدرامية
الخاصة التي اتسمت وانفردت به كل شخصية وقد يتعاطف الرائي مع بعض منها ويختلف أخر
إذ أنه من العسير أن تتفق ما تثيره اللوحة من احاسيس ومشاعر في نفس الرائي أن تطابق
أخر فإذا ما تأملنا لوحة " الفتاتين" للفنان الأمريكي روبرت واير ( Robert Walter Weir 1803-1889) نجد
الانطباع الحزين الذي قد ينعكس على نفس المشاهد وقد يتفاعل معه بعض من المشاهدين
إذ انه يلمس مشاعر قد تكون لها ذكري أو واقعة في حياته كامنة في اللاشعور بينما قد
تجذب مشاهد أخر لوحة لنفس الفنان تدعى
" بيانكا" لما تثيره في نفس المشاهد الإحساس بالسعادة والراحة
والإشراق وبناء على هذا نستطيع أن نصف المذهب
الجمالي في تقدير الجمال بأنه نسبي وذلك وفقا لما يتفاعل في نفس المشاهد من احاسيس
ومشاعر أو نشوة داخلية ذاتية في نفسه يضيفها على ما يراه.
روبرت واير بيانكا
ونستطيع أن نثبت هنا أن
كل إنسان بداخله دافع خاص يحفزه على مشاهدة العمل الفني والغور في مضمونه إذ ان
الفنان هنا يحاول أن يستفسر محتواه أو يستنطقه باحثا فيه عن ملجأ لحاجته الجمالية
فإما المتذوق يبحث عن النقاء والنبل والسمو أو أحيانا يفر بمشاعره ليضيف مسحة
مشرقة لحياته من خلال تأمله للأعمال الفنية.




تعليقات
إرسال تعليق